الشيخ محمد الصادقي الطهراني
90
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وإياهم ، فأنا حسبهم . « مهلهم قليلا » بينك وبين الهجرة الحاسمة جذورهم بالجهاد ، وبينهم وبين قتلهم أو موتهم إلى عذاب النار وبئس القرار . فلقد كان صبره جميلا على طول الخط ، وامهاله القليل جملا ، وكله بأخلاقه وتصرفاته جميلا أينما كان ، فحق له قول اللَّه « وإنك لعلى خلق عظيم » . فحمل الرسالة الإلهية وتنفيذها ببلاغها بحاجة إلى صبر جميل : صموداً واستقامة للوصول إلى المغزى في سبيلها الشاق الطويل ، فالصبر للرسول - هكذا - زاد وعتاد ، وجُنة وسلاح ، وملجأ وملاذ ، بجانب ما عنده من وسائل الدعوة وتدابيرها ، صبراً مع النفس وشهواتها وانحرافاتها وضعفها وشرودها وعجلتها وقنوطها ، وصبراً مع أعداء الدعوة وكيدهم ، وصبراً مع المؤمنين ، على قلتهم ، وقلة صبرهم ، وكثرة استعجالهم ، وصبراً مع عامة النفوس التي لا تخلو من تسرعات في حق أو باطل . « ومهلهم قليلا » ولو مهلتهم عمر الدنيا فهو قليل ، فكيف بأعمارهم التي ليست إلا قليلًا في قليل ، وكيف بإمهالهم إلى زمن الهجرة وهو أقل من القليل ، فلتصبر هناوهناك صبراً جميلا ، ولتمهلهم قليلا : « إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً » . « 1 » فلدينا من أنكال ما ليس لديك مهما كان نكالك عليهم شديداً . إن أنكال النار وقيودها وأغلالها هي التي قدموها لأنفسهم يوم الدنيا إذ كانوا انكالًا في سبيل اللَّه ، وكانت عليهم اغلال الشهوات فاثّاقلوا إلى الأرض ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة ، فأكملت شهواتهم يوم الدنيا ، ثم ظهرت أَنكالًا يوم الدين جزاءً وفاقاً . « طعاماً ذا غصة » : الذي يمزق الحلوق ويحرق الحناجر ، كما كانت حياتهم غصة وكان الحق شجى في حلوقهم ، كما كانوا شجى في حلوق المؤمنين وقذى في أعينهم ، وبصيغة شاملة كانت حياتهم عذاباً أليماً على الدعوة والداعين والمدعوين ، فانتقلت إلى عذاب أليم عليهم يوم الدين : « يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلًا » . « 2 » رجفة الأرض والجبال - هذه : هي الرجفة الأولى المدمرة لها ، ثم تتلوها الرجفة
--> ( 1 ) . 73 : 12 ( 2 ) . 73 : 13